الشوكاني

97

فتح القدير

المذكورين ( لا يعلمهم إلا الله ) أي لا يحصى عددهم ويحيط بهم علما إلا الله سبحانه ، والموصول مبتدأ وخبره لا يعلمهم إلا الله والجملة معترضة ، أو يكون الموصول معطوفا على ما قبله ولا يعلمهم إلا الله اعتراض ، وعدم العلم من غير الله إما أن يكون راجعا إلى صفاتهم وأحوالهم وأخلاقهم ومدد أعمارهم : أي هذه الأمور لا يعلمها إلا الله ولا يعلمها غيره ، أو يكون راجعا إلى ذواتهم : أي أنه لا يعلم ذوات أولئك الذين من بعدهم إلا الله سبحانه وجملة ( جاءتهم رسلهم بالبينات ) مستأنفة لبيان النبأ المذكور في ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ) أي جاءتهم الرسل بالمعجزات الظاهرة وبالشرائع الواضحة ( فردوا أيديهم في أفواههم ) أي جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم ليعضوها غيظا مما جاءت به الرسل كما في قوله تعالى - عضوا عليكم الأنامل من الغيظ - لأن الرسل جاءتهم بتسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم ، وقيل إن المعنى : أنهم أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم لما جاءتهم الرسل بالبينات : أي اسكتوا واتركوا هذا الذي جئتم به تكذيبا لهم ورد لقولهم ، وقيل المعنى أنهم أشاروا إلى أنفسهم وما يصدر عنها من المقالة ، وهى قولهم ( إنا كفرنا بما أرسلتم به ) أي لا جواب لكم سوى هذا الذي قلناه لكم بألسنتنا هذه ، وقيل وضعوا أيديهم على أفواههم استهزاء وتعجبا كما يفعله من غلبه الضحك من وضع يده على فيه ، وقيل المعنى : ردوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم ، فالضمير الأول للرسل والثاني للكفار ، وقيل جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردا لقولهم ، فالضمير الأول على هذا للكفار والثاني للرسل ، وقيل معناه : أومئوا إلى الرسل أن اسكتوا ، وقيل أخذوا أيدي الرسل ووضعوها على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم ، وقيل إن الأيدي هنا النعم : أي ردوا نعم الرسل بأفواههم : أي بالنطق والتكذيب ، والمراد بالنعم هنا ما جاءهم به من الشرائع . وقال أبو عبيدة : ونعم ما قال : هو ضرب مثل : أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا ، والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت : قد رد يده في فيه . وهكذا قال الأخفش ، واعترض ذلك القتيبي فقال : لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه : إذا ترك ما أمر به . وإنما المعنى عضوا على الأيدي حنقا وغيظا ، كقول الشاعر : يردن في فيه غيظ الحسود * حتى يعض على الأكفا وهذا هو القول الذي قدمناه على جميع هذه الأقوال ، ومنه قول الشاعر : لو أن سلمى أبصرت تجددي بعد * عضت من الوجد بأطراف اليد وهو أقرب التفاسير للآية إن لم يصح عن العرب ما ذكره أبو عبيدة والأخفش ، فإن صح ما ذكراه فتفسير الآية به أقرب ( وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به ) أي قال الكفار للرسل إنا كفرنا بما أرسلتم به من البينات على زعمكم ( وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه ) أي في شك عظيم مما تدعوننا إليه من الإيمان بالله وحده وترك ما سواه ( مريب ) أي موجب للريب . يقال أربته : إذا فعلت أمرا أوجب ريبة وشكا ، والريب قلق النفس وعدم سكونها . وقد قيل كيف صرحوا بالكفر ثم أمرهم على الشك . وأجيب بأنهم أرادوا إنا كافرون برسالتكم وإن نزلنا عن هذا المقام فلا أقل من أنا نشك في صحة نبوتكم . ومع كمال الشك لا مطمع في الاعتراف بنبوتكم ، وجملة ( قالت رسلهم أفي الله شك ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالت لهم الرسل ؟ والاستفهام للتقريع والتوبيخ : أي أفي وحدانيته سبحانه شك . وهى في غاية الوضوح والجلاء ، ثم إن الرسل ذكروا بعد إنكارهم على الكفار ما يؤكد ذلك الإنكار من الشواهد الدالة على عدم الشك في وجوده سبحانه ووحدانيته . فقالوا ( فاطر السماوات والأرض ) أي خالقهما ومخترعهما ومبدعهما وموجدهما بعد العدم ( يدعوكم ) إلى الإيمان به وتوحيده ( ليغفر لكم من ذنوبكم ) قال 13 - فتح القدير - 3